JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->

 


الصفحة الرئيسية

حين تسقط الملامح


من 7 أكتوبر 2023 إلى ما لا نهاية

قال أحدهم ذات مرة: حتى الظلام الأكثر حلكة يختفي مع أضعف ضوء

كذبوا علينا أو ربما لم يكن يعرف صاحب هذه الجملة أن هناك ظلاماً لا يشبه الليل، ظلاماً لا تبدّده الشمس ولا القمر ولا حتى الأمل. ظلام يتكاثر كل يوم يمرّ، كل سنة تمضي، وكأن الزمن نفسه انحاز إلى جهة القتلة.
هذه قصة عنّا نحن، الباحثين عن سبب للبقاء في مكانٍ يُصرّ الموت فيه أن يكون الضيف الدائم. عن أمّهات يعددن أبناءهن كل صباح كأنهن يحصين ما تبقى من الغنائم بعد معركة خاسرة. عن أطفال تعلّموا التمييز بين صوت الطائرة وصوت الرعد، وبين رائحة الخبز ورائحة الركام.
فلعل أضعف ضوء، في نهاية هذا الليل الطويل، لن يكون آتياً من الخارج... بل من داخلنا نحن، من إصرارنا على أن نبقى بشراً، رغم كل ما يُراد لنا أن نكون سوى أرقام.

من 2023 إلى 2026. ثلاث سنوات، أم ثلاثة قرون؟ من يحصي الوقت في مكانٍ توقفت فيه الساعات عن العدّ، حين صار كل يوم نسخة أشد قسوة من سابقه؟ قالوا سينتهي. قالوا غداً. وكل غدٍ كان يحمل جثة جديدة، طفلاً جديداً يُدفن قبل أن يتعلّم كيف يمشي.

لم تنتهِ الحرب. بل تحوّلت. صارت هي الوطن، صارت هي اللغة، صارت هي الهواء الوحيد المتاح للتنفّس.

وما أخافني ليس القصف. القصف صوت، ينتهي، يُسمع ثم يخفت. ما أخافني هو أن أرى الإنسان يتقشّر من إنسانيته، طبقة بعد طبقة، حتى يصير مجرد جسد يتحرك بلا دهشة أمام الموت، بلا دمعة أمام الطفل الممزّق، بلا صرخة أمام الأم التي تحتضن رضيعها الميت وكأنها تهدهده للنوم.

أين ملامحنا؟ أين الوجه الذي كان يبتسم قبل أن يتعلّم كيف "يتعايش" مع الرعب؟

هناك طفل، في مكانٍ ما من هذه الخريطة الممزقة، توقف عن السؤال "متى سننتهي من هذا؟" لأنه فهم أن لا أحد يملك الجواب. توقف عن البكاء لأن الدموع أيضاً صارت ترفاً لا يقدر عليه. تعلّم أن يعدّ أصابعه بدل أن يعدّ أصدقاءه، لأن الأصدقاء يرحلون أسرع من أن يُحصَوا.

هذا الطفل لم يفقد طفولته فقط. فقد الدهشة. وحين يفقد الإنسان دهشته، يفقد آخر ما تبقى فيه من إنسان.

والعالم يتفرّج، يُحصي، يُصنّف، يكتب تقارير، ويمضي. ونحن هنا، نتحوّل ببطء إلى ظلال، إلى أرقام في نشرة، إلى "ضحايا مدنيين" بلا أسماء ولا قصص ولا أحلام كانت يوماً.

لا، لن أقل إن الضوء آتٍ. لن أكذب هذه المرة. فالحلكة لا تتضاءل، بل تتمدد. وكل من قال إن "الفجر قريب" لم يكن يعرف أن هناك ليلاً صُمّم ليطول، وأن هناك من يريدنا أن ننسى كيف كانت الشمس.

لكن رغم كل هذا... نكتب. نصرخ بالحبر إن لم نستطع بالصوت. نرفض أن نصمت، ونرفض أن نُختزل.

لأن الغضب، حين يُكتب، يصير شهادة. ويصير مقاومة. ويصير - رغم كل الظلام - إثباتاً بأننا ما زلنا هنا، نتذكر، ونأبى أن يُمحى ما تبقى منّا.

فحتى لو سقطت الملامح... تبقى الذاكرة. وتبقى الكلمة. وتبقى هذه القصة، تُروى، حتى يأتي من يُنصت.

 

 

author-img

فاطمة الجعبري Fatima AlJabari

فنانة تشكيلية من فلسطين - قطاع غزة، ولدت في مدينة أُنهكت بالحروب وصخب الألم، حيث الحياة أشبه بمعركة يومية من أجل البقاء.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة